افتتاح أيام قرطاج لفنون العرائس: احتفاء استثنائي بخمسينية المركز الوطني لفن العرائس

المسرح البلدي بصفاقس
“كنور” في المسرح البلدي بصفاقس: حسن ناجي وهالة مالكي
31 جانفي 2026
المسرح البلدي بصفاقس
“كنور” في المسرح البلدي بصفاقس: حسن ناجي وهالة مالكي
31 جانفي 2026
عرض الكل

افتتاح أيام قرطاج لفنون العرائس: احتفاء استثنائي بخمسينية المركز الوطني لفن العرائس

أيام قرطاج لفنون العرائس

أعطى مدير أيام قرطاج لفنون العرائس والمركز الوطني لفن العرائس السيد عماد المديوني، شارة انطلاق فعالبات الدورة السابعة من المهرجان التي تحتفي بحدث استثنائي هذا العام وهو خمسينية تأسيس المركز الوطني لفن العرائس.

وقال السيد عماد المديوني في كلمته خلال حفل الافتتاح المنتظم مساء الأحد غرة فيفري 2026 بمسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس العاصمة، إنه بعد مرور خمسين عاما، لم تكبر العرائس بل كبر معها الخيال والجمال والتجريب والإيمان بأن فن العرائس ليس مجرد فرجة عابرة بل لغة إنسانية شفافة قادرة على الإمتاع والمؤانسة والتغيير.

وتابع مدير المهرجان في ذات السياق: ” لقد ظلَّ هذا الفنّ دائما فنا ثنائي الخطاب حيث يبدو موجها للصغار لكنه يربك الكبار ويضعهم أمام مرايا لا تعكس وجوههم بل حركاتهم متأرجحا بين اللعب والفكر بين السخرية والألم وبين الصوت والظّل.

وإذا كان خيال الظل من علّمنا كيف نرى ما لا يُرى فإنَّ العرائس اليوم مدعوة بأن تسأل من جديد: أي ظلّ هذا الذي نعيش فيه؟ ومن يحرّك الخيوط؟”

كما اكد المديوني في كلمته أن هذه الدورة تأتي حاملة لبرنامج ثري يحاول التوجه لفئات متنوعة وفضاءات مختلفة، وأن هذا البرنامج يراوح بين العروض الراقية من تونس ومن خارجها (16 دولة)، بالإضافة إلى الورشات التكوينية والماستر كلاس والندوات العلمية والمعارض التوثيقية والتجارية وغيرها من الفعاليات، ملاحظا أن برنامج هذه الدورة يعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الجمهور وكسر الحواجز وتكريس حق الثقافة للجميع.

ونيابة عن وزيرة الشؤون الثقافية، ألقى مدير ادارة الفنون الركحية بالوزارة نعمان الحمروني كلمة أكد خلالها أهمية فن العرائس وتطوره في تونس مشيرا إلى إشعاع المهرجان.

حفل الافتتاح الذي بثته القناة الوطنية التونسية، تضمن عروضا قياسية متنوعة ومشاهد راقصة في إطار الاحتفاء بخمسينية تأسيس المركز الوطني لفن العرائس، وافتتحت هذه المشاهد بمونولوغ قدمه الممثل طاهر عيسى بالعربي، مأخوذ من مسرحية “من العشق ما قتل” من انتاج المركز الوطني لفن العرائس، أخرجها سابقا المسرحي حسن المؤذن.

ثم جاءت فقرة التكريمات والتي تحاكي صيرورة المركز الوطني لفن العرائس في خمسينيته، حيث كرم المهرجان كلا من الفقيد عبد العزيز الميموني، والمديرة السابقة لأيام قرطاج لفنون العرائس والمركز الوطني لفن العرائس منية عبيد النسعدي، وقيدومة العرائسيين حبيبة الجندوبي وأحد المديرين الذين مروا بالمركز قاسم اسماعيل الشرميطي.

لكن أبرز المكرمين لكن بطريقة غير مباشرة، كان المخرج المسرحي حسن المؤذن الذي قدمت مشاهد من أعماله السابقة فبالإضافة إلى المشهد الأول من مسرحية ” من العشق ما قتل” قدمت أيضا مشاهد من مسرحياته السابقة التي أنتجها المركز الوطني لفن العرائس، وهي مسرحية “السيد والعبد” في مونولوغ قدمه الممثل منير العماري، ومشهد من مسرحية “في العاصفة”، أداء مجموعة من أبناء المعهد الوطني لفن العرائس.

احتفالات تسب الإعلان عن إعلان افتتاح الدورة السابعة

حمل يوم الافتتاح معه فسيفساء من الفقرات الموسيقية والاستعراضية التي انطلقت منذ الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال، والتي لاقت تفاعلا جماهيريا ملحوظا، فغصّت شوارع العاصمة ومختلف فضاءات مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بعدد هام من المتابعين من أطفال ويافعين وكهول، وكانت المصافحة الأولى مع نضال اليحياوي الذي قدّم عرضا موسيقيا بالبهو السفلي للمدينة، فيما انطلق كرنفال العرائس من دار الثقافة ابن رشيق ليجوب عددا من شوارع العاصمة في اتجاه مدينة الثقافة، كما تابع الحضور عرضا فنيا ثانيا مع فرقة “جونى مونترويل”، كما كان لعشّاق العرائس العملاقة بساحة المسارح موعد مع المسرحية الفرنسية “السيدة البيضاء”، فضلا عن عدد من الفقرات التنشيطية الأخرى.

وتم بالمناسبة افتتاح معرض توثيقي يحتفي بالذكرى الخمسين لتأسيس المركز الوطني لفن العرائس، فضلا عن معرض ثان دأبت الهيئة المديرة على تنظيمه منذ الدورة الأولى سنة 2018، وهو المعرض التجاري الذي يتحول في كل سنة إلى مساحة نابضة بالحياة بمشاركة عدد هام من العارضين والفنانين والحرفيين.

“الكبوط” أولى عروض أيام قرطاج لفنون العرائس 

بعد الافتتاح توجه الجمهور إلى قاعة المبدعين الشبان لمواكبة أول عروض الدورة مع عرض “الكبوط” الذي يمثل آخر إنتاجات المركز الوطني لفنّ العرائس، في اقتبـاس وإخراج لأميـر العيوني عن قصة” المعطف” للكاتب الروسي نيكولاي ڤوڤول. و”االكبوط” من تصميم حسان السلامي في السينوغرافيا، وتصوّر وتصميم العرائس وليد الوسيعي، وأداء وتحريك عبد السلام الجمل  وفاطمة الزهراء مرواني  وأسامة الماكني  وهيثم الوناسي وخلود الثابت وخلود الناعس. وقد ساعد في الإخراج كلّ من أميمة المجادي وأسامة الماكني.

الإنسان المعاصر والتآكل الصامت

على ركح “الكبوط” اختار المخرج أن يروي الحكاية عبر خيوط غير مرئية تشدّ الدمى كما تشدّ الحياة البشر إلى أقدارهم الصامتة، فالخيط غير المرئي الذي يقود الدمية هو ذاته النظام والوظيفة والروتين  والحاجة … فلم يعد الإنسان فاعلا وقائدا، بل أصبح سجينا لقيود غير مرئية وأسيرا لعبودية معاصرة.

منذ اللحظات الأولى، يكشف العرض عن كائن/ إنسان يتآكل ببطء بسبب عمل روتيني بارد يستهلكه ويمتص إنسانيته. هي قصة موظف يقع ضحية استنزاف هادئ يشبه تسرب الرمل من بين الأصابع. كان هذا الموظف البائس يحلم بشراء معطف جديد، بعد أن استعصى معطفه القديم عن الترقيع. وبعد تضحيات وتشقف وحرمان، كانت فرحة الموظف هستيرية بعد أن حصل أخيرا على المعطف المنتظر… ولكن الفرحة انقلبت إلى مأساة بعد أن حدث للمعطف ما لم يكن في الحسبان! 

تراجيديا الزمن الحديث

في اشتغال متمكن على السينوغرافيا، بدت الأشياء أكبر من الشخصيات، فالكراسي والمكاتب  والتفاصيل اليومية، كلها متضخمة كأن العالم نفسه خرج عن حجمه الطبيعي. توظيف هذه المبالغة البصرية لم يكن عبثا، بل هي دلالة رمزية على أنّ الفضاء يتبدل، لكن الاختناق ثابت. البيت لا يمنح دفئا، والعمل لا يمنح معنى، والشارع لا يمنح خلاصا. لا تختلف الأمكنة لأنها جميعا تنتمي إلى النظام ذاته، نظام يطلب من الإنسان أن يعمل كالآلة، وأن يعيش في روتين قاتل.

 اختارت  مسرحية “الكبوط” الصمت كلغة ثانية أكثر ترميزا وتأثيرا…فلغة العيون الزجاجية للدمى، ولغة الحركة المتكررة، ولغة الجسد الذي يؤدي الفعل ذاته حتى يفقد علاقته به… كلها   عناصر تشير إلى معاناة الإنسان المعاصر الذي يغرق في دوامة البؤس واليأس بالرغم من مظاهر الحداثة الكاذبة.

احتلت الموسيقى في “الكبوط” موقعا مهما فهي لا ترافق الحدث، بل تكشف ما تحجبه الصورة، وما صمت عنه النص. فمرة تأتي كهمس داخلي، ومرة كنبض قلق، ومرة كسخرية خفية من احتفال لا معنى له. فكانت صوت الروح حين يعجز الجسد عن الكلام.

المأساة الهادئة

لا تدين مسرحية “الكبوط” شخصا بل وضعا، ولا تنتقد فردا بل زمنا، إنها مسرحية عن الإنسان حين يصبح رقما، وظيفة، توقيعا، حركة ميكانيكية بين الصباح والمساء… عن ذلك التعب الذي لا ينتج راحة، والعمل الذي لا يمنح كرامة، والحياة التي تُعاش دون متعة.

ومع ذلك، لا يسقط العرض في اليأس المطلق، فمجرد تحويل هذا الصمت إلى فن، وهذا الاختناق إلى صورة، هو شكل من أشكال المقاومة. إنّ هذه المسرحية العرائسية لا تقدّم حلولا، بل تتنج وعيا يضعنا أمام هشاشتنا، ويجبرنا على رؤية  دوّامة حياتنا المعاصرة دون تجميل.

في استعارة مجازية مكثفة وعميقة، يتحوّل “الكبوط” إلى معطف رمزي يرتديه الإنسان الحديث، يدفئه قليلا لكنه يثقله كثيرا.

في النهاية، تذكّرنا مسرحية “الكبوط” وعرائسها بأنّ أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يتألم، بل أن يعتاد الألم حتى يتوقف عن الإحساس به !

 

اترك تعليقك

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.